الصالحي الشامي
6
سبل الهدى والرشاد
قال السيد نور الدين : والأقرب أن هذا كان في آخر الامر بعد نقل الحمى بالكلية لكن قال الحافظ : لما رحل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان في قلة من أصحابه فاختار الحمى ، لقلة الموت بها على الطاعون ، لما فيها من الاجر الجزيل وقضيتها ( اضعاف الأجساد ) فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة ، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله ، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار ، ثم استمر ذلك بالمدينة ، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها عن غيرها قال السيد : وهو يقتضي عود شئ من الحمى إليها بآخرة الامر ، والمشاهد في زماننا عدم خلوها عنها أصلا لكنه ليس كما وصف أولا بخلاف الطاعون ، فإنها محفوظة بالكلية ، فالأقرب أنه صلى الله عليه وسلم لما سأل ربه تعالى لامته أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعه ذلك ، فقال في دعائه : فحمى إذا أو طاعونا أراد بالدعاء بالحمى للموضع الذي لا يدخله الطاعون ، فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمى الوباء بل حمى رحمة بدعائه صلى الله عليه وسلم . الثاني : انما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الحمى إليها ، لأنها كانت دار شرك ، ولم تزل من يومئذ أكثر بلاد الله حمى . قال بعضهم : وانه ليتقي شرب الماء من عينها التي يقال عين حم ، فقل من شرب منها الا حم . وروى البيهقي عن هشام بن عروة قال : كان وباء بالمدينة معروفا في الجاهلية ، وكان إذا كان بالوادي وباء فأشرف عليه الانسان قيل له : انهق نهيق الحمار ، فإذا فعل لم يضره وباء ذلك الوادي . وروى ابن شيبة عن عامر بن جابر ، قال : كان لا يدخل المدينة أحد من طريق واحد من ثنية الوداع فإن لم يعشر بها أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد مات قبل أن يخرج منها ، فإذا وقف على الثنية قبل أن يدخل ودع فسميت ثنية الوداع حتى قدم عروة بن الورد العبسي فقيل له : عشر بها فلم يعشر وأنشأ يقول : لعمري لئن عشرت من خشية الردى نهاق حمير أنني لجزوع ثم دخل فقال : يا معشر يهود ، ما لكم وللتعشير ؟ قالوا : إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها ، فلم يعشر بها الا مات ، أو لا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع الا قتله الهزال ، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية . الثالث : في بيان غريب ما سبق : السكينة : الطمأنينة والوقار . ثائرة الرأس : هاج وانتشر تقول : ثار الدخان والغبار وثار الدم بفلان وثارت به الحصبة .